منتديات الطريقة العلية القادرية الرفاعية المحمدية الاسلامية

منتدى اسلامي الخاص بالتصوف الاسلامي في الطرق الصوفية الرفاعية و القادرية و نقشبدية واليدوية والدسوفية


الشيخ داود الطائي-سلسلة اعلام التصوف3

شاطر
avatar
alrifai

عدد المساهمات : 110
تاريخ التسجيل : 21/06/2009
الموقع : http://www.alrifai.tk

الشيخ داود الطائي-سلسلة اعلام التصوف3

مُساهمة من طرف alrifai في الأحد يناير 24, 2010 10:31 am

الشيخ داود الطائي

اسمه داود بن نصير .
لقبه الطائي .
كنيته أبو سليمان .
مذهبه : المذهب الحنفي .
طريقته : الطريقة العلية .
معاصريه : صحب أبو حنيفة النعمان .
مسكنه : الكوفة .
حياته :
هو العالم الرباني ، أحد اعلام مشايخ الطريقة العلية ، وكان محباً لآل البيت ، وكان كثيراً ما يذكر مآثرهم وكراماتهم ويحث مريديه بالاقتداء بهم وكان له مجالس ذكر وعلم يرتادها الصلحاء والعلماء والطالبين لطريق الحق يستقون من بحار علومه الربانية ويستمعون إلى كلماته النورانية .
لقي معروفا الكرخي في أواخر عصره فوجده القادر على حمل أسرار الطريقة بالرغم من صغر سنه وحداثة اسلامه على يد الإمام علي الرضا ، المرشد العلوي في ذلك الزمان والذي بالرغم من سنه أيضاً إلا أنه كان حجة لا يضاهى الاقناع ويهابه الكثير من علماء وقته ، ورث الأخلاق النبوية والأنوار المحمدية من آباءه واجداده .
كراماته :
ومن كراماته : قال : ماتت امرأة بجواري ولم يكن لها كبير طاعة فقيل لي ياداود : اطلع في قبرها ، فاطلت فرأيت فيه نوراً عظيماً وفرشاً وطيئة وسرراً عالية .
فقلت : بم استوجبت هـذا . فنوديت ، استأنست بنا في سجدتها فأنسناها في وحدتها .
وفي رواية كان الشيخ داود يأكل الخبز فمر عليه نصراني فأعطاه قطعة من الخبز فأتى النصراني إلى بيته وأكل الخبز وأجتمع مع زوجته فرزقه الله تعالى ووقع معروف الكرخي في رحم أمه .
وفاته :
انتقل في سنة 165 هـ وهو في سجوده (1) .
داود الطائي
داود الطائي س الإمام الفقيه القدوة الزاهد أبو سليمان داود بن نصير الطائي الكوفي أحد الأولياء ولد بعد المئة بسنوات وروى عن عبد الملك بن عمير وحميد الطويل وهشام بن عروة وسليمان الأعمش وجماعة حدث عنه ابن علية وزافر بن سليمان ومصعب بن المقدام وإسحاق بن منصور السلولي وأبو نعيم وآخرون وكان من كبار أئمة الفقه والرأي برع في العلم بأبي حنيفة ثم أقبل على شأنه ولزم الصمت وآثر الخمول وفر بدينه سأله رجل عن حديث فقال دعني أبادر خروج نفسي وكان الثوري يعظمه ويقول أبصر داود أمره قال ابن المبارك هل الأمر إلا ما كان عليه داود وقيل إنه غرق كتبه وسأله زائدة عن تفسير آية فقال يا فلان انقطع الجواب قال ابن عيينة كان داود ممن علم وفقه ونفذ في الكلام فحذف إنسانا فقال أبو حنيفة يا أبا سليمان طال لسانك ويدك فاختلف بعد ذلك سنة لا يسأل ولا يجيب قلت حرب نفسه ودربها حتى قوي على العزلة قال أبو أسامة جئت أنا وابن عيينة إليه فقال قد جئتماني مرة فلا تعودا وقيل كان إذا سلم من الفريضة اسرع إلى منزله قال له رجل أوصني قال اتق الله وبر والديك ويحك صم الدنيا واجعل فطرك الموت واجتنب الناس غير تارك لجماعتهم وعنه قال كفى باليقين زهدا وكفى بالعلم عبادة وكفى بالعبادة شغلا قال أبو نعيم رأيت داود الطائي وكان من أفصح الناس وأعلمهم بالعربية يلبس قلنسوة طويلة سوداء وعن حفص الجعفي قال ورث داود الطائي من أمه أربع مئة درهم فمكث يتقوت بها ثلاثين عاما فلما نفذت جعل ينقض سقوف الدويرة فيبيعها قال عطاء بن مسلم عاش داود عشرين سنة بثلاث مئة درهم وقال إسحاق السلولي حدثتني أم سعيد قالت كان بيننا وبين داود الطائي جدار قصير فكنت أسمع حنينه عامة الليل لا يهدأ وربما ترنم في السحر بالقرآن فأرى أن جميع النعيم قد جمع في ترنمه وكان لا يسرج عليه قال أبو داود الحفري قال لي داود الطائي كنت تأتينا إذ كنا ثم ما أحب أن تأتيني قال أبو داود الطيالسي حضرت داود فما رأيت أشد نزعا منه وقال حسن بن بشر حضرت جنازة داود الطائي فحمل على سريرين أو ثلاثة تكسر من الزحام قيل إن داود صحب حبيبا العجمي وليس يصح ولا علمنا داود سار إلى البصرة ولا قدم حبيب الكوفة ومناقب داود كثيرة كان رأسا في العلم والعمل ولم يسمع بمثل جنازته حتى قيل بات الناس ثلاث ليال مخافة أن يفوتهم شهوده مات سنة اثنتين وستين ومئة وقيل سنة خمس وستين وقد سقت من حديثه وأخباره في تاريخ الإسلام ولم يخلف بالكوفة أحدا مثله
قيام داوود الطائي
الولى الرباني والزاهد الراضي أبو سليمان داود بن نصير الطائي
كان رحمه الله من كبار أئمة الفقه والرأي، وممن برع في العلم بأبي حنيفة رحمه الله إلا أنه أقبل على شأنه ولزم الصمت وترك الشهرة .
وكان سفيان الثورى يعظمه ويقول : أبصر داود أمره ، وقال عبد الله بن المبارك : هل الأمر إلا ما كان عليه داود .
نعم ... أراد أن يفر بدينه من الفتن، وخاف على نفسه العجب ورؤية النفس، فانشغل بنفسه يؤدبها ويربيها ويعالج بالليل والقرآن ما يختلج في نفسه .
يقول داود : كفى باليقين زهدا،ً وكفى بالعلم عبادة، وكفى بالعبادة شغلاً، ولقد صدق في قوله وعمله رحمه الله
وهذه جارة له يقال لها أم سعيد بن علقمة تقول : كان بيننا وبين داود الطائي جدار قصير ، فكنت أسمع حنينه عامة الليل لا يهدأ، وربما ترنم في السحر بشيء من القرآن، فأرى أن جميع نعيم الدنيا جمع في ترنمه تلك الساعة .
وصدقت الله ـ هذا هو النعيم الذي لا تنغيص فيه . ورحم الله إبراهيم بن أدهم حينما قال : نحن في لذة لو يعلمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف.
كان داود الطائى يقول : ما حسدت أحداً على شيء إلا أن يكون رجلاً يقوم الليل.
نعم هكذا تكون المحبة :
ما عنك يشغلني مالاً ولا ولد
نسيت باسمك ذكر المال والولدِ
فلو سفكتُ دمى في التراب لانكتبت
به حُرُوفُكَ لم تنقصُ ولم تَزدِ
كان داود يحي الليل صلاة ثم يقعد بحذاء القبلة فيقول :
يا سواد ليلة لا تضيء، ويا بعد سفر لا ينقضى، ويا خلوتك بي تقول : داود ألم تستح ؟!!
مناجاة ودعاء وتضرع ... جعلت داود الطائي شديد الأنس بالله، فلا يرى الراحة والسعادة إلا في جواره كما قال ابن السماك حينما رثاه قال:
آنسُ ما تكون إذا كنت بالله خالياً
وأوحش ما تكون آنسُ ما يكون الناس
فالعبرة هنا كل العبرة ـ فالنجاة لمن يريد النجاة تكمن في الصمت وحفظ اللسان، والأنس بالله وكف الأذي عن الناس، ولن يقدر على ذلك إلا من ربى نفسه على قيام الليل والوقوف بين يدى المولى تبارك وتعالى، والصبر على الطاعة
هذا هو درب السالكين إلى جنان رب العالمين، رحم الله داود الطائي وأسكنه فسيح جناته ؛؛؛
توبة داود الطائي أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن السلمي ، أنبأ أبو القاسم الحسيني ، أنبأ رشأ بن نظيف المقرئ ، أنبأ الحسن بن إسماعيل ، أنبأ أحمد بن مروان ، ثنا محمد بن حاتم البغدادي ، قال : سمعت الحماني يقول
كان بدء توبة داود الطائي أنه دخل المقبرة فسمع امرأة عند قبر و هي تقول :
مقيم إلى أن يبعث الله خلقه لقاؤك لا يرجى و أنت قريب
تزيد بلى في كل يوم و ليلة و تسلى كما تبلى و أنت حبيب
و قال أبو نعيم : قدم داود من السواد و لا يقفه ، فلم يزل يتعلم و يتعبد حتى ساد أهل الكوفة . و قال يوسف بن أسباط : ورث داود عشرين ديناراً . فأكلها في عشرين سنة . قال أبو نعيم : كان داود يشرب الفتيت و لا يأكل الخبز . و قال : بين مضغ الخبز و شرب الفتيت قراءة خمسين آية . و دخل إليه يوماً رجل ، فقال : إن في سقف بيتك جذعاً قد انكسر . فقال : يا ابن أخي ! إني في هذا البيت منذ عشرين سنة ، ما نظرت إلى السقف . و كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام
( كتاب التوابيين )
صام أربعين سنة من دون علم أهله وكان يأخذ الطعام ويتصدق به
ما زلنا نعيش في هذه الحلقات في رحاب رجال صالحين, وصلوا الى أعلى مراتب الصلاح والايمان, فاستحقوا عن حق لقب "ولي", واليوم نتحدث عن شخص عرفته الكوفة في مقتبل عمره شابًا نقي السيرة والسريرة, لا يستمرئ الا المعرفة, ولا يستعزب الا الحكمة, استفاد من أنواع العلم بشكل تام, خصوصًا الفقه الذي أتقنه, وبرع فيه, فقد تتلمذ على يد أبي حنيفة لمدة عشرين عامًا.
كان الحزن يسيطر عليه كما جاء في كتاب "تذكرة الأولياء" لفريد الدين العطار النيسابوري, ويتملكه في بداية الأمر, وكان قد اعتزل الخلق, وله بيت شعر أنشده بسبب توبته:
بأي خديك تبدي البلى
وأي عينيك اذا سالا
فأصابه داء عظيم بسبب هذا المعنى, وفقد قراره, واضطرب, وبينما هو كذلك ذهب الى درس الامام أبي حنيفة, فقال الامام الذي رآه على هذه الحال: ما أصابك? فقص الواقعة, وقال: قد فتر قلبي عن الدنيا, وأصابني شيء فلا أعرف السبيل اليها, ولا أجد معنى لذلك في أي كتاب, ولا تضمنته أي فتوى. قال الامام: أعرض عن الخلق فأعرض عنهم, واعتكف في الدار, ولما انقضت مدة, ذهب اليه الامام أبو حنيفة, وقال: لا يكون الأمر هكذا أن تعتكف في المنزل, ولا تتحدث, لكن أن تجلس بين الأئمة, وتسمع كلامهم الغامض, وتتمعنه, ولا تتحدث قط, وعندئذ تفضلهم في معرفة تلك المسائل, فأدرك داود ما يقوله.
ثم التقي بحبيب الراعي, وكان اقباله على هذا الطريق بسببه, وخطا في هذا الطريق برجولة, وألقى بكتبه في الماء, واعتزل.
وقال عبد المنعم قنديل مؤلف كتاب "حياة الصالحين" ذات يوم, وبينما كان أبو حنيفة وداود الطائي يتحادثان في بعض مسائل الفقه وأحكام الشريعة, اذا بالامام الأعظم يقول للطائي: يا داود اننا أخذنا نصيبنا من العلم والمعرفة, وطاقتنا من الحكمة, ولم يبق الا أن نعمل بما نعلم, ونطبق ما نفقه, فصادفت هذه العبارة هوى في نفس داود, فقرر أن يقسم وقته بين التجارة والعبادة, على أن يكون للعبادة الحظ الأوفى والنصيب الأكبر.
وكان داود قد ورث عن والديه بيتًا متداعيًا "متهدمًا" وثلاثين دينارًا, فصمم على أن يعيش في هذا البيت القديم لا ينفق درهمًا على تجديده وترميمه. وانما ينفق معظم أرباح تجارته على الفقراء والمساكين, مكتفيًا بأيسر الزاد, وأرخص الثياب, وأبسط العيش. كان يعمد في طعامه الى تناول "الثريد" حتى لا يضيع وقتًا طويلا في الأكل, ويقول لمن يسأله عن سبب ذلك: ان ما بين مضغ الخبز الجاف وبين تناول "الثريد" استطيع أن اقرأ خمسين آية.
الى هذا الحد كان داود الطائي حريصًا على أن يجعل وقته كله له, وكان اذا غفل عن ذكر الله لحظة, يؤنب نفسه, وكثيرًا ما كان جيرانه يسمعونه في هدأة الليل وهو يقول: اشتهيت كذا وكذا, فوالله لن ائتمر بأمرك, ولن أطيع هواك أيتها الأمارة بالسوء, يقصد نفسه.
التاجر المسلم
وكان الطائي نموذجًا للتاجر المسلم الذي يطبق مبادئ الدين, فلا يغش ولا يحتكر, ولا يغالي في الربح, وحدث أن طلب منه ابن أخيه مبلغًا من المال يتاجر به, فأعطاه 60 درهمًا فمكث شهرًا ثم جاءه وقدم له مائة وعشرين درهمًا. وقال له: هذا هو ربح القرض الذي اقترضته منك. فدهش داود وقال: كيف يربح الدرهم درهمين في شهر? ينبغي أن يكون عندك بيت مال, تريد أن تخدعني? لقد أغليت السعر على المسلمين. فرد عليَ رأس مالي لأنك لست أمينًا في تجارتك, ولن أتيح لك فرصة استغلال المسلمين, وهكذا استرد منه ال¯ 60 درهما. ولقنه درسًا في أمانة التاجر, حتى لا يستغل حاجة المسلمين ويرفع السعر.
صام داود الطائي أربعين سنة من دون أن يعلم أهله بذلك, كان يحمل طعامه معه, ويتصدق به في الطريق, ويرجع الى أهله عشاء لا يعلمون أنه صائم, وذات يوم زاره رجل من أهله وقال له: يا أبا سليمان, قد عرفت الرحم التي بيننا فأوصني, فدمعت عينا داود وقال: يا أخي, انما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة, حتى ينتهي بهم ذلك الى آخر سفرهم, فان استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادًا لما بينها فافعل, فان انقطاع السفر عن قريب, والأمر أعجل من ذلك, فتزود لسفرك, واقض ما أنت قاض من أمرك, اني لأقول لك هذا, وما أعلم أحدًا أشد تضييعًا مني لذلك.
حادثة أخرى تدل على أن داود الطائي كان يطعم الطعام على حبه أيتام الحي الذي يسكن فيه بالكوفة, فقد قالت له جاريته يومًا: يا داود, لو طبخت لك دسمًا? فقال لها: افعلي, فطبخت له طعامًا شهيًا, ثم جاءته به. فقال لها: ما فعل أيتام بني فلان? قالت: هم على حالهم. قال: اذهبي بهذا الطعام اليهم, لأنني اذا أكلته استحال قمامة. أما اذا أكله هؤلاء الأيتام فيكون عند الله مذخورًا.
كنت فانيا
نعود الى كتاب "تذكرة الأولياء" ليحدثنا ما روى عن داود الطائي أنه اعتلى سطح بيته في ليلة مقمرة, وكان ينظر الى السماء, ويتفكر في الملكوت, ويبكي, حتى وقع على سطح جار له, فظن الجار أن هناك لصًا على السطح, فاعتلي السطح بسيفه, فرأى داود فأمسك بيده وقال: من ألقاك? قال لا أعرف, كنت فانيًا ولا علم لي.
ولعل ما قاله معروف الكرخي يؤكد لنا أن داود الطائي عاش حياة الزهد, حيث قال: لم أر شخصًا قط حقر الدنيا أكثر من داود, فلم تكن الدنيا وأهلها جميعًا في نظره تساوي مثقال ذرة, فان كان يرى واحدًا منهم, كان يشكو من ظلمها حتى تحرر من الطريق, وابتعد الى حد أنه قال: كلما أغسل قميصي, أجد قلبي متغيرًا لكنه كان يعتقد في الفقراء عظيم الاعتقاد, وينظر اليهم بعين الاحترام والمروءة.
وفي اليوم الذي رقد فيه ذلك الجسد الطاهر كان يصلي طوال الليل, وفي آخره وضع رأسه للسجود ولم يرفعها, فانشغل قلب أمه, ونادته: يا بني الوقت وقت الصلاة, وعندما نظرت اليه, كان قد توفي.
وكان قد أوصى بأن يتم دفنه خلف حائط, حتى لا يمر شخص أمامه, وهكذا فعلوا, وظل على هذه الحال حتى اليوم.
ولد أبو سليمان بالكوفة، ولما ارتحل إلى بغداد –وهي غنية بالرجال يومذاك- أخذ عن علمائها وكان واحداً من أصحاب أبي حنيفة النعمان رحمه الله. وحين تم له ما يريد من فقه الكتاب والسنة ورأي أهل الرأي، عاد إلى الكوفة، حيث غلب عليه جانب العمل بما علم والزهد في الدنيا، والانصراف في أكثر ساعات حياته إلى العبادة، وتلاوة كتاب الله متدبراً متفكراً. وقد وضع الله لكلماته القبول في صدور الناس، وأصبح في ورعه وزهده وتقواه قدوة مثلى يشار إليها بالبنان حتى قال أحد معاصريه: "لو كان داود في الأمم الماضية لقص الله تعالى شيئاً من خبره" وبجانب ذلك كله كانت له مشاركة في رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد أسند عن جماعة من التابعين منهم عبد الله بن عمير وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش وحميد الطويل، قال العلماء: وأكثر روايته عن الأعمش. وقد روى عنه إسماعيل بن علية وزافر بن سليمان، ولكن أكثر من روى عنه ابن أصعب بن المقدام.
وتوفي سنة 165 أو سنة 166 للهجرة وإنك لتذكر حين تقرأ سيرة هذا الرجل قول الله تعالى: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى
والذي يستوقفك في شأنه أنه في إجهاد نفسه بالعبادة وفعل الخيرات، كان على تواضع جم وحزن على التفريط... ومبعث ذلك - والله أعلم –شعوره الصادق بطول الطريق مع الرحلة القريبة والحاجة إلى الزاد، فكان مما يقول رحمه الله:
"سبقني العابدون وقطع بي والهفاه".
وهذه الحال من داود كان يتطلع إليها كبار الرجال حتى قال عبد الله بن المبارك:
"وهل الأمر إلا ما كان عليه داود الطائي".
وروي عن سفيان الثوري أنه كان إذا ذكر داود قال:" أبصر الطائي أمره".
وهذه الكلمة من سفيان رحمه الله التي تقرر أن الطائي قد أبصر أمره- بمعنى أنه نظر إلى الدنيا والآخرة نظرة البصيرة التي يشرف عليها نور الإيمان والخشية من الله تعالى –تكشف عن منزلة داود في نظر سفيان، فقد شغل أبا سليمان أمر الآخرة عن أمر الدنيا، وصدق الله فصدقه، ورغب بما عند الله في الآجلة مستشعراً خطاب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو سيد العالمين: وللآخرة خير لك من الأولى (2).
وأنعم بشهادة أهل الإيمان لأخيهم المؤمن بعد الموت، قال ابن السماك عند دفن داود رحمه الله:
"يا داود كنت تسهر ليلك إذ الناس ينامون".
فقال القوم جميعاً: صدقت.
"وكنت تربح إذا الناس يخسرون" –يعني في أمور الآخرة-.
فقال الناس جميعاً: صدقت.
"وكنت تسلم إذا الناس يخوضون".
فقال الناس جميعاً: صدقت.
حتى عدد فضائله كلها، فقام أبو بكر النهشلي وقد خاف على الناس أن يفتنوا بكثرة تلك الفضائل، وأراد أن يذكرهم بأن العبد مهما صلحت حاله، فقير لفضل الله تعالى ورحمته وإحسانه، فحمد الله ثم قال: يارب إن الناس قد قالوا ما عنده مبلغ ما علموا، فاغفر له برحمتك ولا تكله إلى عمله.
وإذا كانت الخشية على قدر المعرفة؛ فقد كان الواحد من هؤلاء الرجال يرى حين يتلو كتاب الله كأن كل وعيد في آيات القرآن ينصب على رأسه هو ويتهدده وحده، وكأن كل قارعة ينذر بها العصاة إنما تعنيه هو دون غيره من الناس، وإنما كان ذلك من فرط حسهم رحمهم الله ورقة أفئدتهم، وصفاء تلك الخشية؛ ومن هنا كان تأثرهم بالقرآن خصوصاً آيات العذاب التي تحمل التهديد والتخويف، تتفطر لها قلوبهم وتهتز لها نفوسهم، فيناجون ربهم باكين خاشعين ويتلون كتابه ضارعين خائفين. ولقد روي عن عمر الجعفي أنه قال: اشتكى داود الطائي أياماً... وكان سبب علته أنه مر بآية فيها ذكر النار، فكررها مراراً في ليلته فأصبح مريضاً، وبعد أيام دخل عليه أناس من إخوانه وجيرانه فوجدوه قد مات ورأسه على لبنة.
يقول ابن السماك: دخلت على داود الطائي يوم مات وهو في بيت على التراب وتحت رأسه لبنة، فبكيت لما رأيت من حاله، وقلت: يا داود لقد فضحت القراء –يعني بإقبالهم على الدنيا- ثم ذكرت ما أعد الله لأوليائه فقلت: يا داود سجنت نفسك قبل أن تسجن، وعذبت نفسك قبل أن تعذب، فاليوم ترى ثواب ما كنت ترجو، وكنت له تنصب وتعمل.
رحم الله داود وأعلى في الآخرين مقامه ولنا عودة قريبة إلى الحديث عنه إن شاء الله.

عرضنا في العدد الماضي لشيء من مآثر أبي سليمان داود نصر الطائي رحمه الله تلك المآثر التي تدل على أنه كان يعبد الله على علم، وأنه عرف الطريق إلى مرضاة الله سبحانه، وامتلأ قلبه بالخشية الصادقة لعلام الغيوب. ورأينا –فيما رأينا- شهادة كبار معاصريه فيه حتى قال عبد الله بن المبارك –وهو من هو- علماً وفضلاً وتقوى- :"وهل الأمر إلا ما كان عليه داود الطائي!!".
وفي متابعة لهذه الكلمات الموصولة بما قبلها، نقف عند لون آخر من فضائل هذا الرجل العظيم، وعند شيء من وصاياه رحمه الله.
فلقد كان شغله الشاغل، والهم الذي لا يبارحه أن يكون على الجادة في كل صغيرة وكبيرة، حتى لا يقع في شيء من المخالفة لمولاه الخالق رب العالمين؛ فكان كثير التفكر والتدبر في النهار، مطيلاً للمناجاة الخاشعة في جوف الليل لمن لا تأخذه سنة ولا نوم، الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها. فعن عبد الأعلى بن زياد الأسلمي قال: رأيت داود الطائي يوماً قائماً على شاطئ الفرات مبهوتاً، فقلت: ما يوقفك ههنا يا أبا سليمان؟ فقال: أنظر إلى الفلك كيف تجري في البحر مسخرات بأمر الله تعالى.
حدثت أم سعيد بن علقمة، وكان سعيد من النساك وأمه طائية من الصالحات. قالت:كان بيننا وبين داود الطائي جدار قصير، فكنت أسمع حنينه عامة الليل لا يهدأ، قالت: ولربما سمعته في جوف الليل يقول: اللهم همك عطل علي الهموم، وحال بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك منع مني اللذات والشهوات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب". قالت: ولربما ترنم في السحر بشيء من القرآن فأرى أن جميع نعيم الدنيا جمع في ترنمه تلك الساعة، قالت: وكان يكون في الدار وحده وكان لا يصبح، يعني لا يوقد السراج (لا يسرج).
وإنا لنجد –مع هذا الخوف- كثيراً من الرجاء بفضل الله سبحانه وذلك موقف المؤمن المتبصر، فقد كان يقول –أجزل الله مثوبته- :"ما يعول إلا على حسن الظن، فأما التفريط فهو المستولي على الأبدان. ويقول في موطن آخر:"اليأس سبيل أعمالنا هذه، ولكن القلوب تحن إلى الرجاء".
وهذا الذي يطبع حياة هؤلاء الصالحين، جعلهم في يقظة دائمة، تباعد بينهم وبين أن يكون للغفلة سلطان على قلوبهم، وما أشد ما تفعل الغفلة بكثير من النفوس. فقد روي عنه قوله:"كل نفس تدر على همتها. فمهموم بخير ومهموم بشر" وحدث عقبة بن موسى- وكان صديقاً لداود– أن أبا سليمان قال له ذات يوم:"يا عقبة كيف يتسلى من حزن من تتجدد عليه المصائب في كل يوم" فخر عقبة مغشياً عليه.
والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً يكرم هؤلاء الربانيين المفلحين، بجزيل عطائه، ويزيدهم من فضله خيراً على خير حتى يكونوا –بمنه وكرمه- في عداد أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً. روي عن حفص بن عمر أنه قال: كان داود الطائي ومحمد بن النضر الحارثي من العمال لله بالطاعة، المكدودين في العبادة، فلما مات داود، رأى رجل من عباد أهل الكوفة يقال له محمد بن ميمون، وكان يذكر من فضله –فرأى منادياً ينادي: ألا إن داود الطائي ومحمد بن النضر الحارثي طلبا أمراً فأدركاه".
وقال عبد العزيز بن محمد: رأيت فيما يرى النائم كأن قائلاً يقول: من يحضر؟ من يحضر؟ فأتيته فقال لي: ما تريد؟ قلت سمعتك تقول: من يحضر؟ من يحضر؟ فأتيتك أسألك عن معنى كلامك، فقال لي: أما ترى القائم الذي يخطب الناس ويخبرهم عن أعلى مراتب الأولياء؟ فأدرك فلعلك تلحقه وتسمع كلامه قبل انصرافه. قال: فأتيته فإذا الناس حوله وهو يقول:
ما نال عبد من الرحمن منزلةً
أعلى من الشوق إن الشوق محمود

قال: ثم سلم ونزل، فقلت لرجل إلى جنبي: من هذا؟ قال: أما تعرفه؟ قلت لا، قال: هذا داود الطائي، فعجبت في منامي منه، فقال: أتعجب مما رأيت؟ والله للذي لداود عند الله أعظم من هذا وأكثر.
والناظر في سيرة الرجل، يجد النسب متصلاً بين هذا الذي رآه عليه عبد العزيز بن محمد في الرؤيا، وبين ما كانت عليه حاله في الدنيا، وسبحان العليم الخبير، روي عن أبي محمد صدقة الزاهد قال: (خرجنا مع داود الطائي في جنازة بالكوفة، قال: فقعد داود ناحية وهي تدفن، فجاء الناس فقعدوا قريباً منه، فقال: من خاف الوعيد قصر عليه البعيد، ومن طال أمله ضعف عمله، وكل ما هو آت قريب، ثم قال: واعلم يا أخي أن كل شيء يشغلك عن ربك فهو عليك مشؤوم، واعلم أن أهل الدنيا جميعاً من أهل القبور، إنما يفرحون بما يقدمون، ويندمون على ما يخلفون عليه أهل القبور ندموا وعليه أهل الدنيا يقتتلون وفيه يتنافسون وعليه عند القضاة يختصمون).
وفي شذرات من القول كأنها جوامع الكلم، ينير الدرب للسالكين فيقول: (ما أخرج الله عبداً من ذل المعاصي إلى عز التقوى، إلا أغناه بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس) إنها ضوابط أهل الآخرة، والمقاييس التي تكتب بماء الذهب، كشف عنها رحمه الله حقيقة العز والذل، وحقيقة الغنى والفقر، وحقيقة الأنس والوحشة، وما يكون لمن أخرجه الله من ذل المعصية إلى عز التقوى، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
وسبحان من عطاؤه هو العطاء، لا تنفد كلماته، ولا ينقص خزائنه الفضل والإكرام (كلاً نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا)(3)
لقد كانت وصايا أبي سليمان رحمه الله صورة واضحة المعالم لما يوجبه التناصح بين المؤمنين: وهي وصايا تقرأ من خلالها سلوك داود وطريقته في الحياة وتذوقه للمعاني التي يدعو إليها، والحقائق التي يوصي بها. انظر بعض ذلك مثلاً في وصيته لعبد الله بن الأعرج التي يقول فيها: "صم عن الدنيا واجعل نظرك في الآخرة، قال عبد الله: فقلت: زدني، قال: ليكن كاتباك محدّثيك، فقلت: زدني، قال: برّ والديك، قلت: زدني، قال: فرّ من الناس فرارك من الأسد غير مفارق لجماعتهم"*.
وتلك حاله التي كان عليها رضي الله عنه، وذلك بلا ريب أدعى إلى عمق التأثير في المخاطبين، وروى محمد الصفار قال: حدثني رجل من أهل داود الطائي قال: قلت له يوماً: يا أبا سليمان قد عرفت الرحم بيننا فأوصني قال: فدمعت عيناه ثم قال لي:
"يا أخي إنما الليل والنهار مراحل، تنزل بالناس مرحلة مرحلة، حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل يوم مرحلة زاداً لما بين يديه فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو، والأمر أعجل من ذلك، فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك، وفي أعقاب ذلك قال رحمه الله: "إني لأقول هذا وما أعلم أشد تضييعاً مني لذلك" ثم قام..
أرأيت إلى هذه الوصية التي تشرق في النفس، وكأنها نور من نور كتاب الله وضياء حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم أرأيت مع هذه الكلمات الحيّة التي تأخذ طريقها إلى القلب.. هذا التواضع الخاشع بين يدي الله عز وجل، يستوصيه قريبه فتدمع عيناه.. وبعد أن يزوده بتلك الكلمات الربانية القليلة المبنى، الغزيرة المعنى، تحمله رؤيته لتقصير نفسه وتطلعه إلى ما يجب أن تكون عليه فيقول: "إني لأقول هذا وما أعلم أحداً أشد تضييعاً مني لذلك".
يا سبحان الله أي شيء تفعله التقوى في هذه القلوب.. فتفيض بما تفيض به على لسان حال الرجل الصالح وجوارحه.. فنسمع ما نسمع، ونرى ما نرى، وكأن ما نسمع وما نرى، على نسب متصل بميراث النبوة.
حدث إبراهيم بن أدهم أن أبا سليمان كان يقول: "إن للخوف تحركات تُعرف في الخائفين، ومقامات يعرفها المحبون، وإزعاجات يفوز بها المشتاقون، وأين أولئك؟ أولئك هم الفائزون" ومن هذا المرتقى الصعب في مدارج الذوق الإيماني قال داود مرة لسفيان:
"إذا كنت تشرب الماء المبرد، وتأكل اللذيذ المطيّب، وتمشي في الظل الظليل، فمتى تحب الموت والقدوم على الله"؟
فبكى سفيان رحمهما الله.
ومن وصاياه ما حدث به صالح بن موسى قال: قال رجل لداود الطائي، أوصني قال:
"اصحب أهل التقوى فإنهم أيسر أهل الدنيا مؤونة عليك، وأكثر لك معونة".
وأكرمْ بها من صحبة تحفظ النفس والوقت، وتحمل بما تقدم من القدوة الصالحة على الاستقامة والرضى لله ولرسوله من القول والعمل.
أما وصيته لعبد الله بن إدريس: فقد جمعت الخير من أطرافه لمن يريد طريق السالكين، قال عبد الله لأبي سليمان أوصني، فقال داود: "أقلل معرفة الناس" واستزاده عبد الله من الوصية فقال: زدني، قال: ارض باليسير من الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بالدنيا مع فساد الدين، قلت: زدني، قال: اجعل الدنيا كيوم صمته ثم أفطر على الموت"
وهذا الذي يقوله داود لم يكن –كما علمت- كلمات تجري على اللسان وحسب، ولكنه كان حاله التي لا يتكلفها، وسلوكه الذي أصبح سجيته.
ومن عجب أنه على قلة مخالطته للناس –سرى نبأ وفاته في الكوفة وما حولها بشكل أثار استغراب المؤرخين، وعُدّ من إكرام الله لهذا الرجل، فلقد بكاه الناس كلهم ودخل الحزن عليه كل بيت، يقول محمد بن عيسى الرايشي:
رأيت الناس هنا يأتون ثلاث ليال مخافة أن تفوتهم جنازة داود، ورأيت الناس كلهم يبكون عليه ما شبهته إلا يوم الخروج.
ويقول الحسن بن بشر:
حضرت جنازة داود، كان يُنعى ساعة بعد ساعة ثم نكذب، فحمل على سريرين أو ثلاثة تكسر من زحام الناس عليه، وصُلّي عليه كذا كذا مرة.
أما يونس بن عروة فيقول: زحموني في جنازة داود الطائي حتى قطعوا نعلي فذهبت، وسلوا ردائي عن منكبي فذهب، وذلك لكثرة الخلائق والزحام.
وتحريك القلوب على هذه الشاكلة ونداؤها من الأعماق وضع تحدث عنه الإمام الصابر أحمد بن حنبل يرحمه الله في كلمة له عن الطغاة والظالمين حين قال: "بيننا وبينهم الجنائز".
أما بعد: فقد قال العلماء في داود الكثير، ولكن ابن السماك رحمه الله لم يترك زيادة لمستزيد، وكان من ذلك قوله فيه بعد دفنه:
".. لا تحسد الأخيار، ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطات مطية، ولا من الأمراء هدية، ولا تدنيك المطامع، ولا ترقب إلى الناس في الصنائع، آنس ما تكون إذا كنت بالله خالياً، وأوحش ما تكون إذا كنت مع الناس جالساً، فأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس، وآنس ما تكون أوحش ما يكون الناس...إلى أن يقول:
عزلت الشهوة عنك في حياتك لئلا يدخلك عجبها ولا تلحقك فتنتها، فلما مت شهر ربك بموتك، وألبسك رداء عملك، فلم تنثر ما عملت في سرك، فأظهر الله اليوم ذلك، وأكثر نفعك، وحشد لك الجماعة، فلو رأيت اليوم كثرة من تبعك عرفت أن ربك قد أكرمك وشرفك، ولو أن طيئاً تكلمت بألسنتها شرفاً بك لحق لها ذلك إذ كنت منها أبا سليمان؟
ولله الحمد في الأولى والآخرة، ونسأله أن يلحقنا بعباده الصالحين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 23, 2017 1:03 pm